لم تعد الرعاية الصحية في دول الخليج مجرد ملفٍ للخدمات العامة، بل أصبحت أولوية استثمارية وطنية. ففي المملكة العربية السعودية وحدها، تتجاوز الخطط الاستثمارية 250 مليار ريال سعودي (65 مليار دولار أمريكي) لتطوير البنية التحتية الصحية، والصحة الرقمية، وتحول المنظومة الصحية ضمن رؤية 2030، بينما تقود الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) جهود تسريع تبني الذكاء الاصطناعي في مختلف أنحاء القطاع الصحي. وفي الوقت نفسه، تُصنّف استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031 الرعاية الصحية كأحد القطاعات ذات الأولوية، فيما تمضي كل من قطر والبحرين والكويت وسلطنة عُمان في تنفيذ برامج مماثلة لتحديث أنظمتها الصحية. لقد تم تخصيص رأس المال بالفعل. ولم يعد السؤال ما إذا كان التحول الصحي سيحدث في الخليج، بل أي التقنيات ستكون المحرك الرئيسي له. [1، 2]
الطموح حقيقي، والتمويل متاح. ما تأخّر باستمرار هو آلية التنفيذ — ولا سيما توظيف التكنولوجيا بأسلوب يتسم بالذكاء الثقافي، والمصداقية السريرية، ويلائم الطريقة التي يتعامل بها أبناء هذه المنطقة فعلاً مع خدمات الرعاية الصحية.
الفجوة في صحة الأمومة
لا يتجلّى هذا الواقع بوضوح أكثر مما هو عليه في مجال الصحة النفسية لما حول الولادة وصحة الأم. تُسجّل دول الخليج بعض أعلى معدلات الخصوبة بين الاقتصادات ذات الدخل المرتفع. وفي المقابل، تُسجّل بعض أدنى معدلات تشخيص وعلاج اضطرابات الصحة النفسية المرتبطة بالأمومة — لا لأن هذه الاضطرابات أقل شيوعاً، بل لأن المنظومة الصحية لم تُصمَّم أصلاً لاكتشافها.
وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تعاني نحو 10% من النساء الحوامل و13% من النساء اللواتي أنجبن حديثاً من اضطراب نفسي ما على مستوى العالم، وترتفع هذه النسبة إلى نحو 1 من كل 5 في دول الدخل المتوسط المنخفض. [3] وفي الخليج، يُفضي الوصم الاجتماعي وعوائق اللغة وتشتّت مسارات الرعاية وغياب البنية التحتية الرقمية المتخصصة إلى بقاء الغالبية دون تشخيص أو دعم.
لماذا يُغيّر الذكاء الاصطناعي هذا الواقع — إذا طُبِّق بالشكل الصحيح
الرعاية الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي في الخليج ليست سيناريو مستقبلياً. إنها تُبنى الآن. تقود وزارة الصحة السعودية وهيئة سدايا تكامل الذكاء الاصطناعي في الرعاية الأولية والمتخصصة. يستخدم برنامج إجادة التابع لهيئة الصحة بدبي الذكاء الاصطناعي للتحليلات التنبؤية في 30 مجالاً مرضياً. [4] وتوظّف مدينة الشيخ شخبوط الطبية التابعة لصحة الذكاءَ الاصطناعي لتحسين الفرز وتقليص وقت الاستجابة في الطوارئ. [5]
غير أن التطبيقات الناجحة تشترك في سمة واحدة: صُمِّمت مع مراعاة السياق الإقليمي منذ البداية — لا مستوردةً من إطار سريري غربي تُلصق عليه لاحقاً علامة "مُوضعَة". اللغة، وديناميكيات الأسرة، والاعتبارات الدينية، والتفضيل لبناء الثقة وجهاً لوجه قبل التبنّي الرقمي — هذه ليست حالات استثنائية، بل هي التيار الرئيسي.
الفرصة التجارية
يُعد الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية في منطقة الخليج اليوم واحدة من أبرز الفرص التجارية في قطاع التكنولوجيا على مستوى الشرق الأوسط وأفريقيا. ووفقًا لبيانات Statista، من المتوقع أن يرتفع الإنفاق على الرعاية الصحية في دول مجلس التعاون الخليجي من نحو 109 مليارات دولار أمريكي في عام 2024 إلى 159 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2029، مما يعكس استمرار الاستثمارات في البنية التحتية الصحية، والتحول الرقمي، ونماذج الرعاية المتقدمة في مختلف أنحاء المنطقة. ومع مواصلة الحكومات تحديث أنظمتها الصحية، واستثمار مقدمي الرعاية الصحية في منصات البيانات، والأتمتة، والتحليلات التنبؤية، وحلول الرعاية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، يبرز الخليج بسرعة كسوق نمو استراتيجي لشركات تكنولوجيا الرعاية الصحية. [6]
الفائزون هم من يصلون بالتكنولوجيا الصحيحة، والبنية الثقافية الملائمة، والعلاقات الراسخة. أما من يصلون بمنتج ممتاز دون ذكاء إقليمي، فسيجدون سوقاً مهذّبة ومهتمة، لكنها بعيدة المنال في نهاية المطاف.
في Qlabs Intelligence، نعمل في هذا التقاطع تحديداً منذ عام 2020 — نساعد شركات التكنولوجيا والمستثمرين على التنقّل في فرصة الرعاية الصحية الخليجية بالصرامة والمعرفة الإقليمية التي تستدعيها.
[2] عرب نيوز — المملكة العربية السعودية تخطط لاستثمار 250 مليار ريال في البنية التحتية للرعاية الصحية: arabnews.com
[3] WHO — الصحة النفسية حول الولادة: who.int
[4] هيئة الصحة بدبي — برنامج إجادة: dha.gov.ae
[5] الفرز بالذكاء الاصطناعي في صحة: tahawultech.com
[6] Statista — الإنفاق على الرعاية الصحية في دول مجلس التعاون الخليجي (2011–2029): statista.com



